محمد أبو زهرة

1444

زهرة التفاسير

مهما يكن . . أساسه التنسيق والتوزيع ، وتخصيص كل طائفة لما تحسن ، حتى تتلاقى الجهود كلها في ثمرات مفيدة للجماعة ، والجهاد عمل من الأعمال ، فلا بد أن تنسق فيه الأعمال ، ويكون كل لما يخصص له ، فإذا خرج عما هيئ له وأسند إليه ، انتثر العقد ، واضطربت الأمور ، وخفت الثمرات ، وذلك ما كان في أحد ، ولقد قرر اللّه تعالى أن يصاب المسلمون بذلك الجرح الدامي لتكثير العبر ، فقد افترى من افترى فادعى أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قتل ، فاضطربت الأفهام ، إذ لو كان الخبر صادقا لأوجب على المجاهدين أن يتضافروا على حمل العبء لا أن تذهب نفوسهم شعاعا . ولقد أصابت الهزيمة قلوبهم ، وأصابهم غم شديد ، فأخذ يبين اللّه أن القتال تتعاوره الهزيمة والنصر ، وأن الهزيمة بسبب خطأ لا توجب الوهن ، ولكن توجب تجنب الخطأ . ولقد وجد ناس وقد اشتد البلاء ، وأظلمت نفوس ، وذهب ما فيها من أضواء الحق ، فتنادى بعضهم أن يوسطوا المنافقين ليتخذوا لهم عند أبي سفيان زعيم الشرك إبان ذاك عهدا بالأمن والاستسلام ، وقد بين اللّه سبحانه بعد ما بين من عبر أن هذه هي الخطة الذليلة ، وهي المنزلة الدون ، والمكان الهون ، فقال عزّ من قائل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ النداء للمؤمنين بوصف كونهم مؤمنين ، وفيها بيان أنه لا يليق بهم بوصف كونهم مؤمنين أن يطيعوا الذين كفروا ؛ فإن الكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان ، ولا يكونان في قلب رجل واحد ، ولقد أشار سبحانه إلى بعد احتمال أن يطيع المؤمنون الكافرين بالتعبير في أداة الشرط ب ( إن ) دون ( إذا ) ؛ إذ إن : ( إذا ) للتحقق أي تحقق الشرط ، وتحقق الجزاء ، أما ( إن ) فإنها لا تفيد تحقق الشرط ، وبالتالي لا يتحقق الجزاء . والمعنى في هذا هو التحذير من مسايرة الكافرين بأي نوع من أنواع المسايرة ؛ إذ كل مسايرة طاعة ، ولا يليق بالمؤمن أن يطيع كافرا ؛ لأنه يجب أن يكون في حذر دائم ، وإنه لو فرض وأطاعوهم فإنهم يرتدون على أعقابهم خاسرين .